الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

91

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تخلّص إلى تشريع عقاب المحاربين ، وهم ضرب من الجناة بجناية القتل . ولا علاقة لهذه الآية ولا الّتي بعدها بأخبار بني إسرائيل . نزلت هذه الآية في شأن حكم النبي صلى اللّه عليه وسلّم في العرنيّين ، وبه يشعر صنيع البخاري إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التّفسير ، وأخرج عقبه حديث أنس بن مالك في العرنيّين . ونصّ الحديث من مواضع من صحيحه : « قدم على النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم نفر من عكل وعرينة « 1 » فأسلموا ثمّ أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقالوا قد استوخمنا هذه الأرض ، فقال لهم : هذه نعم لنا فأخرجوا فيها فاشربوا ألبانها وأبوالها . فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحّوا ، فمالوا على الرّاعي فقتلوه واطّردوا الذّود وارتدّوا . فبعث رسول اللّه في آثارهم ، بعث جرير بن عبد اللّه في خيل فأدركوهم وقد أشرفوا على بلادهم ، فما ترجّل النّهار حتّى جيء بهم ، فأمر بهم ، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم بمسامير أحميت ، ثمّ حبسهم حتّى ماتوا . وقيل : أمر بهم فألقوا في الحرّة يستسقون فما يسقون حتّى ماتوا . قال جماعة : وكان ذلك سنة ستّ من الهجرة ، كان هذا قبل أن تنزل آية المائدة . نقل ذلك مولى ابن الطلاع في كتاب « الأقضية المأثورة » بسنده إلى ابن جبير وابن سيرين ، وعلى هذا يكون نزولها نسخا للحدّ الّذي أقامه النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم سواء كان عن وحي أم عن اجتهاد منه ، لأنّه لمّا اجتهد ولم يغيّره اللّه عليه قبل وقوع العمل به فقد تقرّر به شرع . وإنّما أذن اللّه له بذلك العقاب الشّديد لأنّهم أرادوا أن يكونوا قدوة للمشركين في التحيّل بإظهار الإسلام للتوصّل إلى الكيد للمسلمين ، ولأنّهم جمعوا في فعلهم جنايات كثيرة . قال أبو قلابة : فما ذا يستبقى من هؤلاء قتلوا النّفس وحاربوا اللّه ورسوله وخوّفوا رسول اللّه . وفي رواية للطبري : نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين المسلمين عهد فنقضوه وقطعوا السّبيل وأفسدوا في الأرض . رواه عن ابن عبّاس والضحّاك . والصّحيح الأوّل . وأيّاما كان فقد نسخ ذلك بهذه الآية . فالحصر ب إِنَّما في قوله إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ إلخ على أصحّ الروايتين في سبب نزول الآية حصر إضافي ، وهو قصر قلب لإبطال - أي لنسخ - العقاب الّذي أمر به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم على العرنيّين ، وعلى ما رواه الطبري عن ابن عبّاس فالحصر أن لا جزاء لهم إلّا ذلك ، فيكون المقصود من القصر حينئذ أن لا ينقص عن ذلك الجزاء وهو أحد الأمور

--> ( 1 ) هم سبعة : ثلاثة من عكل . وأربعة من عرينه . وعكل - بضم العين وسكون الكاف - قبيلة من تيم الرّباب بن عبد مناف بن طابخة بن إلياس بن مضر . وعرينة - بضم العين وفتح الراء - قبيلة من قضاعة .